محمد الغزالي
43
فقه السيرة ( الغزالي )
من رأسه إلى قدمه ، ولكن يحدث كثيرا أن ترى من يشتري قلنسوتين ويخرج حافيا ، أو من يشتري منديلا ويخرج عاريا ! . إنّ هذا مثل طوائف اشتغلت بالسنّة ، ثم - بعد طول تطواف - خرجت على الناس ، وفي يديها من السنن سواك ، وعمامة مقطوعة الذنب اعتبروها شعار الإسلام ، وسرّ ذلك أنهم دخلوا المعرض الحافل ، ثم خرجوا منه بعد أن ظنوا الدين كله في حديث أو سنّة محدودة ، فأساؤوا بذلك إلى القران والسنّة جميعا . 3 - إن قصر الباع في السنة - على كثرة الاشتغال بها - أضرّ بتوجيه المسلمين ، وأشاع بينهم طائفة من الأحكام المبتسرة « 1 » ، والتقاليد الضيقة ، تنبو عنها روح القران والسنّة ، وإن اعتمدت على حديث لم يفهم ، أو أثر لم يفقه . وذلك أن الإسلام - في الشؤون الهامة - جاء بطائفة من الأحكام ، ذكرت في الكتاب العزيز ، أو وردت على لسان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي جميعا متكاملة ؛ يصل بعضها بعضا ويوثقه ، فإذا ظهر في دليل منها ما يعارض سائر الأدلة ، بحث في تأويله حتى يتم الجمع بينها كلها ، أو قبل الأرجح سندا ، وردّ الاخر « 2 » . ولذلك يرى المحققون « 3 » أن سنن الآحاد ترفض إذا خالفت ظواهر الآي ، وعموم النص ، أو خالفت قياسا يعتمد على أحكام القران نفسه ، وهم يفرقون بين الأحاديث التي يرويها رجال فقهاء ، والتي يرويها رجال حفاظ فحسب . ولنضرب لك مثلا يكشف عمّا يصيب الأمم من عقم وضياع ، نتيجة فهمها الخاطئ لأثر وارد . كثير من المسلمين يحكمون على المرأة ألا ترى أحدا ولا يراها أحد ، وفي المدينة تسيح النسوة في الطرق ، يرتدين خياما مغلقة طامسة ، بها خرقان من أعلى لإمكان الرؤية ، وقد تختفي هذه الخروق وراء قطع من الزجاج أو الباغة . . وهذا التقليد السائد يعتمد على حديث سمعت إمام الحرم النبوي يردده من فوق المنبر في خطبة الجمعة ، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كره لنسوته أن يرين عبد اللّه بن
--> ( 1 ) المبتسرة : المتسرعة التي لم يبذل في تحصيلها جهد وتتبع واستقصاء . ( ن ) . ( 2 ) وهذا داخل في نقد المتن . ( ن ) . ( 3 ) من الحنيفة فقط ، أما الجمهور فلا . ( ن ) .